
هنالك مشاهدات في حياتنا اليومية تجعل المرء يشعر في دخيلته و نفسيته بالألم و الحزن ، و لعل أكثر المشاهدات التي تؤثر في أنا هي رؤية رجال قد شابت رؤوسهم و تقوست ظهورهم و بلغوا من العمر عتيا ، و رغم ذلك لا زالوا يدبون على وجه الأرض طلبا للقمة العيش و للرزق.
هذا الرزق الذي لا يأتي أغلبه في بلدنا هذا ، إلا عبر أعمال لا يطيقها حتى الشباب من ذوي العضلات المفتولة ، كالعمل في حمل أكياس الإسمنت ، أو "ضرب البالة" لتحميل الشاحنات برمال الصحاري و الشواطئ ، أو غير ذلك من الأعمال القاسية التي تتطلب فتوة و قوة و شبابا.
إلا أننا أصبحنا نرى اليوم و بشكل متزايد شُــيابا و شيوخا ، كان من المفروض أن يكونوا جالسين على كراسي الراحة ، إلا أنهم اضطروا للعمل في هذه الأعمال الشاقة بسبب تقلبات الزمن و غدر الدنيا ، و عقوق القريب و عدم مبالاة الغريب.
عندما تبنى في المغرب دور للعجزة و المسنين فستكون هذه البلاد قد انتهت ، هذا معنى ما قاله الحسن الثاني في كتابه "ذاكرة ملك" ، و اليوم توجد في المغرب العشرات من هذه الدور ، التي تؤوي الآلاف المؤلفة من المسنين الذين فقدوا السند في هذه الحياة ، بينما يوجد آلاف غيرهم لازالوا يجالدون و يكابدون قسوة الحياة في القرن الحادي و العشرين ، بكل كبرياء و أنفة ، رغم الظلم ، رغم القهر ، رغم المشقتين ، مشقة العمل ، و مشقة أرذل العمر.
و السؤال الكبير هو: ما الذي أوصل أولئك الشيوخ و أوصلنا كمغاربة إلى هذا الحال الرديء ؟؟
هل أوصلنا إليه التفكك المجتمعي و الأسري الذي بدأ يشيع في المجتمع المغربي ؟؟ أم أوصلتنا إليه سياسية التفقير و التجهيل المتعمدة من قبل الدولة أو غير المتعمدة ربما ، و التي تجعل الشخص يكد كعامل مياوم أجره زهيد من المهد إلى اللحد ، دون أن يتمكن من إدخار أي شيء يتكأ عليه في آخر العمر... و لا حول و لاقوة إلا بالله.
اقرأ المزيد »